حيدر حب الله
197
حجية الحديث
يشتغل فلان إلا بالعصيان ، فإنه يفيد شناعة أصل العصيان ، كما لا يخفى « 1 » . ويمكن أن نكمل ردّ صاحب هداية المسترشدين ، بأنّ جملةً من الآيات ذمّتهم على اتباعهم الظنّ ، ثم علّلت بقانون عام يقضي بعدم إغناء الظنّ عن العلم ، واستدلالُنا يكمن في هذا التعليل العام ، كما أنّ فرض أنّ الكافرين لا يعملون في حياتهم إلا بالظنّ فرضٌ غير واقعي لو أريد من الآيات الحديث عن عدم اتباعهم إلا الظنّ مطلقاً ، لا في خصوص المتنازع عليه في موضوع هذه الآية أو تلك ، والأمر أكثر وضوحاً في آية النهي عن اقتفاء أثر غير العلم ، فإنّها ظاهرة جداً في عموم النهي ، لا في النهي عن العموم ، وإلا لزم من دليل النهي عن الزنا الوارد في السياق نفسه أن نفهمه نهياً عن حصر العلاقة الجنسيّة بالزنا ، لا عن مطلق العلاقة الجنسية غير الشرعيّة ، فتأمّل جيداً . وبهذا يتبين أنّ الآيات الكريمة دالّة على عدم حجيّة الظنّ ، غايته تسجّل عليها المناقشة الثانية بصيغتها الأولى ، وهي قابليّتها للتخصيص بدليل حجية خبر الواحد أو غيره ، وهو غير تحقّق التخصيص واقعاً كما هو واضح . هذا كلّه ، جرياً على السير المتعارف عندهم في معالجة دلالة هذه الآيات الشريفة . ثنائيّة العلم والظنّ ، مقاربة اجتهاديّة قرآنيّة مختارة والتحقيق في فهم هذه الآيات والتوصّل إلى مفادها يرجع قبل كلّ شيء إلى تحليل مفردتي الظنّ والعلم الواردتين في اللسان العربي والقرآني ، ومقاربتهما بتعامل التراث الإسلامي الأصولي والفلسفي معهما ، وهو ما نشرحه ضمن الفقرات التالية : أ - تعاطى علماء أصول الفقه مع مفردة الظنّ انطلاقاً من التفسير الأرسطي لها ، أي أنّهم جعلوا العلم هو حصول حالة اليقين الجازم الذي لا يقبل البطلان بل يمنعه ( اليقين بالمعنى الأخص ) ، بحيث تجزم بالشيء مع الاعتقاد باستحالة العكس ، كما
--> ( 1 ) راجع : هداية المسترشدين 3 : 341 - 343 .